سيد محمد طنطاوي
122
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا . . ) * كلام مستأنف . لأن ما سبقه يستدعى سؤالا تقديره : ماذا كانت عاقبة قوم نوح بعد أن نصحهم ووعظهم بتلك الأساليب المتعددة ؟ فكان الجواب : * ( قالَ نُوحٌ ) * - عليه السلام - بعد أن طال نصحه لقومه ، وبعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وبعد أن يئس من إيمانهم وبعد أن أخبره - سبحانه - أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن . * ( قالَ ) * متضرعا إلى ربه * ( رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ) * أي : إن قومي قد عصوني وخالفوا أمرى ، وكرهوا صحبتي ، وأصروا واستكبروا استكبروا استكبارا عظيما عن دعوتي . * ( واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْه مالُه ووَلَدُه إِلَّا خَساراً ) * أي : إنهم أصروا على معصيتي ، ولم يكتفوا بذلك بل بجانب إعراضهم عنى ، اتبعوا غيرى . . اتبعوا رؤساءهم أهل الأموال والأولاد الذين لم تزدهم النعم التي أنعمت بها عليهم إلا خسرانا وجحودا ، وضلالا في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة . فالمراد بالذين لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا : أولئك الكبراء والزعماء الذين رزقهم اللَّه المال والولد ، ولكنهم استعملوا نعمه في معصيته لا في طاعته . وقوله : * ( ومَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ) * صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، وهو معطوف على صلة « من » والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإفراد في الضمائر السابقة باعتبار اللفظ . والمكر : هو التدبير في خفاء لإنزال السوء بالممكور به . أي : أن هؤلاء الزعماء الذين استعملوا نعمك في الشر ، لم يكتفوا بتحريض أتباعهم على معصيتي ، بل مكروا بي وبالمؤمنين مكرا قد بلغ النهاية في الضخامة والعظم . فقوله : * ( كُبَّاراً ) * مبالغة في الكبر والعظم . أي : مكرا كبيرا جدا لا تحيط بحجمه العبارة . وكان من مظاهر مكرهم : تحريضهم لسفلتهم على إنزال الأذى بنوح - عليه السلام -